استذكار الغائب الحاضر فائق بطي والموت كالعصافير

استذكار الغائب الحاضر فائق بطي والموت كالعصافير

  • 644
  • 2016/04/08 12:00:00 ص
  • 0

&nbsp;اربيل / المدى<br /> هكذا ، وبدون سابق إنذار، يرحل بهدوء مثلما كان يعيش بهدوء بعيدا عن كل صخب وضجيج الحياة بكل تفاصيلها، فائق بطي الوجدان الذي لن يخفت بريقه، ولن يغيب عن ذكر وبال كل من التقاه او عمل معه. في الدورة الماضية لمعرض اربيل للكتاب كان نسمة عذبة تطلّ علينا في المركز الإعلامي بين فينة واخرى. يتفقدنا بكل شيء : الطعام والشراب والسكن، في ذات الوقت كان يقدم النصح والتوجيهات كي يخرج ملحق المعرض بالشكل الملائم، مثلما لم يكن يخفي سروره للجهد المبذول وجودة الملحق ... لكن في هذه الدورة رحل عنا المعلم والعميد والاب والصديق، رحل عنا وترك كل التفاصيل الاخرى للحديث والاستذكار الذي تبنته الجلسة الاولى لمعرض اربيل الدولي للكتاب ...<br /> &quot;هي زاوية حرجة جدا وضعت بها اليوم في تقديم جلسة صديقي واستاذي الراحل فائق بطي&quot;، هكذا بدأ الكاتب داود امين تقديمه الجلسة. عادّا الحديث عن الفقيد ليس بالشيء السهل لأنه بحق رجل استثنائي بكل المقاييس ، فهو إلى جانب انه صحفي بارع فهو مؤرخ من الطراز الاول.<br /> <br /> جوهرة في زمن الحجر<br /> &nbsp;بعدها دعا امين المشاركين في جلسة الاستذكار للصعود إلى المنصة . اول المتحدثين كانت زوجة الفقيد الاديبة والاعلامية سعاد الجزائري التي وصفته بالجوهرة في زمن الحجر متحدثة عن تاريخ علاقتها به والتي تمتد لاكثر من اربعة عقود في درب العمل ، قرابة عقد ونصف منها في الحياة الزوجية. الجزائري توقفت عند بعض المحطات في حياة الراحل وكيف انه كان يذكر اصدقاءه بكل طيب ومحبة ولم يسئ لأحد منهم او يتحدث عنه بسوء باستثناء ساسة البلد الذين اوصلونا لهذه الحالة. كما ذكرت جوانب مهمة من حياته على الصعيدين الشخصي والمهني. حيث كان الراحل مهتما كثيرا بالنظام لدرجة انه يكرر (منذ 20 سنة وانا) اعمل الشيء الفلاني. كما كانت له طقوس خاصة في الكتابة تبدأ من التاسعة صباحا لما بعد الظهر. ولم ينقطع الراحل عن الكتابة والقراءة الا ما ندر والدليل غزارة &nbsp;نتاجاته، حتى انه عكف على اصدار كتاب في كل سنة.<br /> كما اشارت الجزائري الى ان &nbsp;الراحل كان أنيقاً جداً ، أناقة الروح والجسد والاخلاق. فلم يستطع احد ان يراه (بزي) البيت باستثناء احدى اخواتي. كان يردد دائما ان في حياته ثلاث (سينات) (سكارة ، ستات ، سياسة) مستدركة : لكنني استطعت إفطامه من سينين الا انني لم اتمكن من السين الثالثة وهي السياسة. لدى الراحل مجموعة من الاصدقاء اقربهم الى قلبه الاستاذ (فخري كريم) حيث امتدت الصداقة التي جمعتهم الى اكثر من (45) عاما.<br /> <br /> تطوير الصحافة العراقية<br /> الكاتب بطرس نباتي ، وبعد ان استذكر بطي ذكر انه دوّن معظم تاريخ وشخصيات الصحافة العراقية من خلال اصداراته في هذا المنحى والتي بلغت احد عشر مؤلفا. وركز نباتي في حديثه على مشروع الكتابة عن الصحافة السريانية من خلال اصداره لمجلد ضخم تحت عنوان &quot;موسوعة الصحافة السريانية في العراق تاريخ وشخصيات&quot; والذي هو من منشورات المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية مسلسل الثقافة السريانية ويحمل الرقم 39 &nbsp;ويقع المجلد بـ 462 صفحة من الحجم الكبير &nbsp;طبع في مطبعة الثقافة في اربيل. &nbsp;&nbsp;<br /> نباتي ذكر في سياق حديثه : اننا بتاريخ 24/1/2013 كنا منشغلين في المديرية العامة للثقافة السريانية بإعداد احدى الحلقات الدراسية والتي كانت بعنوان (دور السريان في الثقافة العراقية) &nbsp;التي كان الراحل د. سعدي المالح &nbsp;مدير عام المديرية يحرص على انعقادها سنويا اذ ارتأينا ان تحمل تلك الحلقة اسم &quot;حلقة رافائيل بطي&quot; ورشًحنا &nbsp;فائقاً ان يكون اول &nbsp;المتحدثين عن &nbsp;والده في الحلقة، وكذلك ان يساهم في الفلم الوثائقي &nbsp;والذي كان عن والده ايضا، ولكننا فوجئنا بأن للراحل فائق دراسة بعنوان &quot;دور السريان في تطوير الصحافة العراقية 1929 &ndash;1945 &quot; ويريد القاءها في الحلقة الدراسية ايضا.&nbsp;<br /> تاريخ الصحافة السريانية<br /> كما تطرق نباتي الى ان الفقيد اقترح إعداد موسوعة تضم جميع اصدارات الصحافة السريانية برموزها وصحفها. &nbsp;قلت له : استاذ ابو رافد اذا اردت ان تكتب عن الصحافة السريانية &nbsp;فهذا تاريخ طويل يبدا منذ 1849 وانت لا تعرف القراءة والكتابة باللغة السريانية .<br /> اجابني: اتدري بطرس ان والدي كان يتقن هذه اللغة مثلك فقد كان شماساً وكنا نتكلم بها في البيت ولكني نسيتها &nbsp;للاسف، واذا ما ساعدتموني في بعض ما كتب بهذه اللغة ساتمكن من انجاز هذا المشروع. مضيفا: في صباح اليوم التالي بدأ سعدي بالاعداد لهذا المشروع حيث تم تاجير دار تراثية في عنكاوا لأبي رافد في محلة شعبية وهذا ما اراده واتخذ من المكتبة السريانية مكانا لعمله. مبينا: ان د. فائق كان يداوم يوميا كأحد موظفي المكتبة منذ الصباح ولحين انتهاء الدوام الرسمي تعاونه في ذلك السيدة جاندارك هوزايا في قراءة العناوين والكتابات السريانية.<br /> وبيًن الكاتب السرياني: إن الموسوعة مقسمة الى ثمانية فصول بـ(462) صفحة عمل الراحل ابو رافد عليها منذ 24/10/2013 ولغاية بداية شهر حزيران عام 2014. &nbsp;يتضمن الكتاب الفصول. دور السريان في تطوير الصحافة العراقية / السريان بين السياسة والصحافة /السريان يواكبون تطور الصحافة /نمو وتعدد اصدارات الصحافة السريانية /صحافة الحركات والاحزاب السياسية /الصحافة السريانية بعد سقوط نظام صدام /الصحافة السريانية في المهجر والمنافي &nbsp;وهذا الفصل لم يكن ضمن الموسوعة ولكن ابا رافد اصر على كتابته واضافته للتعرف على صحافتنا في دول الشتات.<br /> <br /> موت العصافير<br /> واسترسل نباتي: إن الفقيد فائق بطي سبق وان ذكر له أن لا أحد أرسى اسس الصحافة العراقية غير السريان وحتى الذين أرخوا للصحافة كانوا سريانا امثال رزوق عيسى ، روفائيل بطي ، ماجد الكرملي . هؤلاء كتبوا تاريخ الصحافة في العراق. مبينا: اهم الصحف التي صدرت في العراق منذ 1926 ولغاية الانقلاب الأسود كان على راسها السريان. وتابع نباتي: في احدى كتابات بطي ذكر ان صديقه أميل إسحق من لبنان سأله عن عائلته واخواته فأخبره فائق بأن الوالدين واخوته الثلاثة قد غابوا عن هذه الدنيا بسبب مرض القلب الذي لا يرحم ولم يبقَ غيره. حيث ردت سعاد الجزائري عن كيفية اصابتهم بالسكتة القلبية وهم جميعا صغار السن، اجابها ابو رافد : نحن نموت كما تموت العصافير دون سابق انذار نسقط من الاعلى &nbsp;بهدوء. عندها يقول الفقيد : تألمت سعاد لحديثي وبعد ايام حولت سعاد هذه المحادثة الى قصة بعنوان (موت العصافير).<br /> ثروة وطنية<br /> المتحدث الآخر كان الكاتب الصحافي فؤاد عوني ، الذي بيّن ان علاقته مع االراحل د. فائق بطي ابتدأت بعد عام ثورة تموز 1958 &nbsp;اذ كان كان يقرأ اسم الراحل في الصحف العراقية التي تصل الى مدينته (كويسنجق) حيث اثّرت كتابات الراحل في نفس عوني كثيرا. لكن اللقاء المباشر جرى بينهما بعد العام 1971 يوم كان عوني يشغل منصب سكرتير اتحاد طلبة كردستان، لكنه لم يدم طويلا. ليتكرر اللقاء في العام 1991 بعد منح الاقليم حكما ذاتيا حيث ان الراحل كان يزور الاقليم بشكل مستمر. لتستمر القاءات التي ساهمت في اكتشاف المناقب الحميدة لهذه الشخصية. والتي خسرناها جميعا كونها ثروة وطنية يصعب تعويضها ، حسب وصف عوني.<br /> موسوعة حب العراق<br /> ختام الجلسة كان مع الشاعر زهير بهنام بردى الذي قرأ نصا نثريا عنوانه (في باب الذكرى والوفاء والحب وليس في باب النعي). وآخر فرعياً (ليس نعياً ولكن محاولة اخرى في النعي) حيث قرأ بردى :<br /> نموتُ في كلِّ مكان / في البيوتِ وعلى الأرصفة / في المشفى والحديقةِ والسرير / في الحربِ والسلم / في كلّ مكان / لكننا لا نموت / فتاريخُنا عراقٌ لا يموت / تصوّر أنّنا نعملُ بجديّة ٍحتى في الموت / نموتُ مزدحمين &nbsp;بالحياة / فيا فائق لا تتركنا بإفراط / أخرجْ الينا كفَاك / لا تنشغلَ بالموتِ كثيرا.<br /> ورغم أننا لم نلتقِ إلا نيفاً. إلا انّي أخالُك كأنّكَ كنتَ معي. تمشي بأبجديةِ عناوينَ قامتِك في أكثر من ثمانينَ عامٍ من الجمال ,نحنُ نتصفحُك وأنتَ تمشي دائما ًالى أمام. وتنظرُ الى الشمسِ وتبتسمُ كزهرة بيبون, أقولُ لك الآنَ أسمعني كراهبٍ في معبد الكلمة يا فائق أنّك كنتَ حقّاً ارشيفاً من الحروفِ والورقِ الأخضرِ والحبِّ والحياة. لمَ يا فائق لم تكملْ مشروعَك الارشيفي الموسوعي الصحفي؟ موسوعتَك الشاملة التي تشبهُ طولَك. كنتُ أتصفّحُ وأقرأُ قامتَك الشامخة. أجل يا فائق قامتُك موسوعةٌ أخرى لم تنجزْ. هي موسوعةُ حبِّ العراق والناسِ والشعبِ الابهى. وكنتُ وفيما أنا أبحثُ عن صمتِك السريِّ أنّما أبحثُ عن قيثارةِ بابل والجنائن وزقورةِ أور ومكتبةِ آشور وشمسِ الحضر, أبحثُ عن المناشيرِ السريّةِ والسجون التي نمتَ والليلِ في عينِ النصيرِ أثناءَ نوبة ِالخفير. عن الطريقِ وكفاح الشعب والثقافةِ الجديدة عن أشياءٍ فيك . من روفائيل بطي. عن البلادِ وبانيبال وإكليلِ الورد, لم أنسَ أبداً ونحن نحتفي بوالدِك في الحلقة الدراسية (دورة روفائيل بطي) التي اقيمت عام 2013 وكنتَ بصحبةِ الدكتور المرحوم سعدي المالح وحينَ تحدثتَ كنتَ متواضعاً كحمامةٍ تهدلُ ، كنت كتواضعِ النبات في الحقولِ وابتسامتُك سمةُ من سماتِ الدخول الى القلوبِ وفيزا صداقة ابديّة لم تقلْ سوى ما كنت حقاً واستحقاقاً. لأنّك كنتَ أشعةَ شمسٍ من الحروفِ تنثالُ بجماليةِ فكرٍ ورهافةِ إحساس. لم أتذكّر انذنا كنّا على موعدٍ في الجمعية الثقافية الكلدانية في المحاضرةِ التي اغتالتْها يدُ الظلاميين, الذين حرمونا منكَ وأنتَ تتهيأ للمجيءِ الينا .لكنَّ التفجير قربَ الجمعيّة حالَ دون ذلك. وفيما مضى وقبلَ عامٍ وفي هذا المكانِ الرحب تحديداً ،معرض المدى، كنتَ تتنقلُ كملاكٍ ببدلتِك البيضاء الحليبية. التي كنتُ أرى العصافيرَ تتركُ مناقيرَها فيها وشماً حليبياً وسعاد بجانبِك كأميرةٍ تسيرُ في شارعِ الموكب. وكنتُ ألاحقُك لأناولَكَ قداسَ المرايا مجموعتي الشعرية. أجل كنتَ دائماً يا فائقُ كأنّكَ في مناولتِك الاولى وكانتْ شفتاكَ بابتسامتِها المعهودةِ تضعُ القربانَ &nbsp;في فمِ من يمرُّ اليك عربونَ محبّةٍ وصداقةٍ وألفةٍ .كنتُ أراك كمرآة وكتابٍ. نرسلُ من خلالِك رسائلَك .التي كنتَ تكتبُ وتُرسلُها كأحلامٍ بيضاء. وها نحن هنا نبحثُ عنك في كلِّ عنوانٍ يضيءُ فضاءَ معرض المدى في اربيل نوروز الربيع الأزلي .وفي عينِ سعاد الوفيّةِ ودموعِ فخري كريم ، التي قال انه لا يقدر على كبحَ جماحها لو تحدثَ عنكَ في اربعينيتك التي اقيمت في عنكاوة . و تحدثَ فيها الاساتذة زهير الجزائري وبطرس نباتي وفرهاد عوني. &nbsp;فيا لسعاد. &nbsp;كيفَ تحملتْ ظلامَ تلك اللحظة؟ ولكن من هزّةِ الحبِّ ارادتْ أن تتوغّل في الألم ِأكثر . وربّما كانتْ قد توزّعت بين دهشةِ الموت والغياب والوحدةِ وفراقك الأليم . نمْ يا فائق أنتَ كما كنتَ وستبقى جنينة الصحافة ِوالكلمةِ الحرّةِ الشريفة فوق ترابِ أرضِ الرافدين.<br /> توفي اليومَ 25 كانون الثاني في أحدى مشافي لندن . وتوقفتُ كأنّما كتيبةٌ من الحزنِ داهمتني, وأنا أحاولُ أن أدفعَ أصابعي لتصلَ الى القلمِ لأحكي معكَ. ببعضٍ ممّا لم نقلْهُ بعد, يا فائق. الدمعُ ما كان مفاجأةٌ لي أن يسبقني ويسقطَ حارقاً الورقة وأنا أتمتمُ .كم أنت استعجلتَ يا موت؟ دائماً أنت تختارُ الخضرةَ والحدائقَ والكلماتِ جنبك . فأوصيكَ أن ترعى ما اخترتَ لأنّك كما يبدو دائماً تختارُ البهاءَ وتكتبُ في لوحِ الجمالِ فارسَ موتِ المقبرة هذا . يا فائق لا اقولُ أنّنا سوف ننساكَ لأنَك دفنتَ في مقبرةٍ بعيدةٍ ظنّا منكَ أن لا تؤلمنا . وكي لا نتذكّر أنّكَ متَّ لكنّنا صدقاً نتوقّعُ دائماً أنّك ستطرقُ البابَ ونراكَ كلماتِ حبٍّ تسيرُ وتمشي معكَ الشمسُ<br /> لسنا نحبُّك ميّتاً<br /> لكنْ إن اعتذرَ الموتُ&nbsp;<br /> وحاصرَنا بغيابِك<br /> فإنّنا حقاً<br /> نظلُّ نحبُّك كما كنتَ حيّاً<br /> يا فائق<br /> في ثمانينَ من العصافيرِ تطوفُ الآنَ&nbsp;<br /> وتصعدُ وجهَك القمح<br /> ويدَك الورد الرقيق&nbsp;<br /> وأجنحةَ الفراشة<br /> لا نحبّ الانتظارَ أكثر<br /> كي نحبّك ميّتاً<br /> أقلَّ مما نحلم<br /> أن تكونَ حيّاً<br />

أعلى