الهيمان في حدائق الكتب

الهيمان في حدائق الكتب

  • 757
  • 2012/04/06 12:00:00 ص
  • 0

<div dir="rtl" style="text-align: justify;">أحمد عبد الحسين<br /> <br /> وأنا في السيارة اتصلت بزميلي يوسف المحمداوي الذي أخبرني ان أجواء احتفالية تجري هنا في المعرض وان كثيراً من زملائنا الأدباء والإعلاميين التقيتهم وان فعاليات ستقام اليوم، وعدد لي من بين الزملاء: سرمد الطائي، فاروق صبري القادم من الإمارات بعد مشاركته في مهرجان أيام الشارقة المسرحية، رشيد خيون، عدنان الطائي، صفاء خلف، علي محمود خضير، عمر الجفال، وطبعاً الفنان نصير شمه الذي أحيا قبل يومين حفلة ما زالت مدار الأحاديث هنا، وأدونيس الذي سيحيي اليوم أمسية ينتظرها الجميع بشغف. إنها فعلاً قمّة ثقافية كما وصفها الزميل يوسف، ففيها أسماء هي من الأهمية بحيث يمكن لحضورها أن يجعل من كلّ مكانٍ عيداً ثقافياً. ما ان وصلت إلى بوابة المعرض حتى أدركت مدى حسن التنظيم، شبّان يستقبلون الزائرين بحفاوة اعتادوا عليها، ويبدو انهم دُرّبوا كثيراً على ذلك، وأدركت ان سبع سنوات من الخبرة كافية لإنجاح أية فعالية. غياب التبويب الإلكتروني داخل المعرض كان كلّ شيء يوحي بالتنظيم المتقن، غير ان اللبناني عبد القادر قال ان هناك مأخذاً تنظيمياً على المعرض يتعلق بالتبويب الإلكترونيّ، فليس هنالك فهارس الكترونية يمكن أن تعين الباحث عن كتاب ما، لكنه أكد لي بثقة ان المعرض ـ مع ذلك ـ يضاهي المعارض التي نقيمها في عواصم العالم. وحين سألته: هل هي المرة الأولى التي تأتي فيها إلى أربيل؟ أجابني : بل هي المرة السابعة! فأنا دائم الحضور منذ المعرض الأول. قال ان دارنا &quot;العربية للموسوعات&quot; ذات سمعة طيبة في العراق عموماً وفي هذا المعرض بالذات، ومبيعاتنا لا تتراجع أبداً بل اننا نتوقع ـ رغم ان هذا المعرض في أوله ـ انه سيكون أفضل من المعارض السابقة، فالكتاب يقرأ من عنوانه كما يقال. والحضور مشجع جداً. مشهد مفرح لكنه لا يناسبنا! رأينا بضع فتيات بلباس مدرسيّ موحد، فقلت له: هذا تقليد رائع، أن تحضر المدارس طلابها وطالباتها، وأن يربوهم على حبّ الكتاب واقتنائه، أجابني ضاحكاً: طبعاً هو تقليد محمود لكنه لا يناسبنا تماماً، فسألته مستغرباً: ولماذا لا يناسبكم؟ قال: لأنّ هؤلاء من طلبة الثانوية، وهم في العادة لا شأن لهم بالموسوعات والبحوث التي تحتاج إلى كتب الموسوعات، كتبنا يحتاجها طلاب الكليات والدراسات العليا غالباً، ومؤسسات البحوث، وكلما زاد عدد هؤلاء زادت مبيعاتنا، ولهذا فإنّ ما تراه الآن في هذا المشهد، مشهد الفتيان والفتيات، قد يكون مفرحاً لأنه يعد بظهور جيل يقرأ، لكننا نتمنى أن يكون عدد طلاب الجامعات بقدر عدد هؤلاء الأطفال. أشرف الناس الأستاذ منتظر نوري فاجأني بقوله: اذكر على لساني ان العراقيين عرباً وكرداًمن أشرف الناس، وقبل أن أسأله عن مناسبة قوله، قال: في معارض بغداد والموصل وأربيل حين نترك كتبنا في الشارع أحياناً أو في مكان ما ونضطرّ للذهاب إلى مكان ما نجد الكتب على حالها، شعب في منتهى الأمانة، مع ان لنا تجارب في عواصم عربية أخرى لا تسرّ. سألته عن موقع معرض أربيل بين المعارض الأخرى التي شهدها؟ قال انه الأفضل، رغم اني ـ والكلام لم يزل للأستاذ نوري ـ اندهشت بما رأيت في معرض الموصل من إقبال على الكتاب خصوصاً من جانب النساء، ومفاجأتي متأتية من ان هناك نظرة تقليدية تحصر الموصل في صورة المدينة المحافظة وغير المستقرة أمنياً، لكن المدينة فاجأتنا حقاً، غير ان لأربيل ومعرضها مذاقاً خاصاً لجهة التنظيم كما لجهة اهتمام المؤسسات الرسمية. ويبقى الشعر يتيماً يقال عادة ان كتب الشعرلا تباع في معارض الكتب، وهي الأقل حظاً من اهتمام القرّاء والمؤسسات، ويبدو ان هذه الحقيقة تترسخ، كان لا بدّ لي ـ من أجل التقصي عن هذه الحقيقة ـ أن أزور داراً مختصة بكتب الشعر، فذهبتُ إلى دار &quot;الغاوون&quot; اللبنانية التي كان فيها صديقنا الشاعر صفاء خلف، سألته عن سرّ حال المسكنة التي يمرّ بها الكتاب الشعريّ ، وهل لذلك علاقة بأهمية ما يكتب وينشر من شعر أم هناك اسباب اخرى فقال: تتراجع مبيعات الكتاب الشعري في العراق، ليس لعدم وجود شعر جيد، لكن لفقدان ثقة المتلقين بالتجربة الشعرية. سألته: لكن الشعراء المكرّسين لا يزالون يحظون بحضورهم، فقال: نعم لكنّ الأصوات العالية التي كانت تروجها المؤسسات والايدولوجيات اختفت مع رحيل آخرها وهو محمود درويش، اليوم بات الكتاب الشعري يتيماً في عالم مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن سقوط الضمير الشعري ودخول &quot;كتبة&quot; الى المجاز الضيق، فزاحموا اصحاب التجربة على المقعد المهزوز. قلت له: الشعر اليوم سيّد الهامشل بعد أن ترك المتن لاختصاصات أخرى. أليس كذلك؟ أجابني: نعم، لكن الكتاب الشعري خرج من معطف العبارة الكبرى، ودخل في الهامش، اليوم الشعر يحقق مقولة الانسان في معاناته الاغترابية في عالم مشتبك مع نفسه، بات الشاعر يقص حكايته الشخصية بوصفها حكاية الجميع، والكتاب الشعري رقيم طيني تتراكم عليه الأتربة كما الإنسان بالضبط. الشعر مغامرة طلبت منه أن يحدثني عن تجربتهم في دار الغاوون التي تعدّ باعتقادي مغامرة كبرى، فمن العسير أن يحدّث أحد ما نفسه بنجاح مادّي لدار مختصة بالشعر وشؤونه. قال خلف : حين جاءت تجربة دار الغاوون الفتية، كانت بمثابة عملية انتحارية في سوق متخم بالتسويق السطحي، ومحتكم للماكنة العملاقة التي تنتج الأفكار وفقاً للاحتراب، باتت هناك حرب مكشوفة ومعلنة بين الكتاب الديني المتطرف وبين الكتاب اللاديني، وبينهما ظلت الفجوة مفتوحة. الغاوون حاولت أن تخلق صحوة شعرية.. ربيعاً شعرياً، عبر إطلاق أصوات شعرية متعددة من بيئات مختلفة ومكونات مخنوقة، وفتحت الباب مشرعاً أمام الصوت الشعري المتمرد والرافض اللامنتمي للسائد. وحين سألته: كيف يمكن أن يقيّم التجربة بوصفه شاعراً: قال: التجربة فتية كدار بعد ان بلغت تجربة (الغاوون) الجريدة الشهرية أربعة اعوام، فتحت فيها معارك وخاضت اشتباكات، وحققت حضورها المتميز. دار الغاوون اليوم باتت تمثل أرض لجوء شعري، فهي تعمل على الدخول الى منطقة المحرم، والملعون. وعن سؤالي حول أبرز ما نشرته الغاوون من شعر مختلف أجاب خلف: قامت الدار بترجمات مهمة للشعر الكردي، وترجمات للشعر الايروتيكي الشفاهي، وترجمات عن الشعر الفارسي المعاصر. وهي تجتهد الآن على إصدار كتاب ألف ليلة وليلة استناداً على الطبعة الحجرية غير المحذوف منها، والتي لم تمسها مقصات الرقيب. هذه هي الجنّة الشاعر علي محمود خضير كان حاضراً، تحدثنا سوية عن حلم من أحلام بورخيس الذي تخيّل مرة أن الجنة فوق في السماء مكتبة كبيرة، وتابعه على ذلك القديس وسادن الكتب باشلار الذي كان يصلّي قبل أن يقرأ أي كتاب بصلاة &quot;اعطنا خبزنا كفافنا!&quot;. أليست هذه قطعة من الجنة يا عليّ؟ إنها كذلك يا أحمد! &quot;الجمل&quot; إشكالية الأستاذ عبد الله جاسم وكيل دار الجمل في بغداد كان هناك ايضاً، قبل أن أتوجه إليه بسؤال عن المعرض أجابني: مبيعاتنا جيدة، والمعرض ناجح، قلت له: معروف عن دار الجمل نشرها كتباً إشكالية فهل وجدتم رواداً لكتبكم هنا، قال ان الثقافة في جوهرها سؤال إشكاليّ ولا بدّ لكل مثقف ومتابع من أن يستهويه المعطى الإشكالي الذي تحمله كتب &quot;الجمل&quot;. سألته عن مدير الدار &quot;الشاعر خالد المعالي&quot; ألم يأت إلى أربيل، قال: كان هنا أمس، وغادر اليوم إلى السماوة منبت راسه، مع ابنه رامي ليريه الصحراء. صديقنا المشورب نادر شوان مثقف كرديّ كان يحمل معه حزمة كتب لنيتشه، ولأني أعرف ولعه بالفلسفة سألته مازحاً: لا يعقل انك لم تقرأ نيتشه بعدُ؟ قال: تعرف اني أحفظه! لكنها عادة، إدمان سمها ما شئت، لا أتمالك نفسي حين أرى كتاباً أحبه من ان أشتريه مرة واثنتين، ينتابني شعور حين أرى كتابي الأليف أني رأيت صديقي ولا بدّ لي من أن اصطحبه معي إلى البيت. قلت له: إذنْ أنت اليوم دعوت صديقنا المشورب نيتشه معك إلى الغداء؟ قال: بل إلى العشاء لاننا أنا وإياه تغدينا قبل قليل. وضحكنا. ما العلمانية؟ الكتب الإسلامية لها حصة الأسد من العرض والبيع، ليست هذه مفاجأة طبعاً، فالإقبال عليها كبير، سألت الشيخ &quot;أبا عبد الرحمن&quot; الذي رأيته في كافتريا المعرض ونحن نحتسي الشاي: عمّ يبحث بالضبط، ايّ كتاب يتوقع أن يجده هنا ولا يجده في مكان آخر، قال: سأفاجئك! أنا أبحث عن الكتب التي تتناول العلمانية، أمام استغرابي أضاف: الظرف العربيّ الراهن، وانشغال الجميع بآثار الربيع العربيّ يحتم عليّ دراسة ما يريده العلمانيون، وأنا أعترف ان مفهوم العلمانية لديّ ملتبس وليست لي دراية كافية به، فرأيت من باب الواجب أن أعرف ماذا يريد هؤلاء الذين يتظاهرون ويحتجون وهم يحملون شعارات العلمانية، خاصة وان كثيراً من رجال الدين يقابلون هؤلاء الشباب للأسف باتهامات من قبيل الإلحاد والمروق. علينا ان نفهمهم، أكبرت فيه وعيه العالي واحترامه للمختلف عنه، وأرشدته إلى مجموعة عناوين ومؤلفين عسى أن يجد ضالته هناك. أطفال أطفال دار كتب للأطفال، تحلقتْ حولها مجموعة من الصبايا، سألتهنّ عما يستهويهنّ ، فتضاحكن وهنّ يحملقن لي باستغراب، أدركت انهنّ لا يعرفن العربية، استعنتُ بصديق كرديّ ومع ذلك لم يجبن، كان هناك حاجز أكبر من حاجز اللغة، حاجز الخجل الطفوليّ ، التقطتُ لهنّ صورة وهن يخفين وجوههن بأيديهنّ. حضور الأطفال مميز، الجميع أشاد بفكرة قيام المدارس بجلب طلبتها إلى هنا، فطفل يرى هذه الوليمة الكبرى من الكتب لا بدّ أن يثبت في ذهنه إلى الأبد حبّ الكتاب والشغف به. حدثتُ الزميل الفنان فاروق صبري عن الأمر، فقال: ليت وزارة التربية العراقية ترى هذا المشهد، ليتهم يسقون ابنائنا ماء حبّ الثقافة كما تفعل مدارس أربيل. أنا منذ ساعتين فقط في المعرض، لم أزل تعباً من السفر، واشعر اني في بستان فواكه، صار لزاماً عليّ أن أتوقف عن هذه الكتابة لأرى أصدقائي الواقعيين من زملاء مثقفين، وأصدقائي الآخرين من كتب ومؤلفين. اسمحوا لي أن أترككم الآن، لأفعل ما فعله السيّاب العظيم الذي &quot;كان يهيم في حدائق الوجوه&quot;، أما انا فسوف اهيم في حدائق الكتب!&nbsp;</div>

أعلى