معا إلى أربيل

معا إلى أربيل

  • 229
  • 2023/03/08 12:06:38 ص
  • 0

 رفعة عبد الرزاق محمد

ما الذي يدفعني الى القول مرارا إن معارض الكتب التي تقيمها مؤسسة المدى وكأنها مهرجانات الادب التي عرفها تاريخ الادب العربي في عهوده الاولى، فقد عرفنا ان هذه المهرجانات المسماة باسواق الادب، مثل عكاظ في الجزيرة العربية او المربد في البصرة، فيقوم الشعراء بعرض ما نظموه وينهد الخطباء الى القاء الخطب، ويقوم البعض (ولنسمهم بالنقاد) بمضاهاة ما قدم،

وهذا عين ما يجري في معارض الكتب التي تحتضن من جلسات وندوات لمختلف شؤون الفكر والابداع، وأسماء كبيرة ستقدمها لمرتادي المعرض، وهذا ما عهدناه في معارض المدى السابقة في بغداد واربيل والبصرة.

أربيل، هذه المدينة التاريخية العريقة، ستكون على موعد جميل مع معرضها الدولي للكتاب في دورة هي الخامسة عشرة من تاريخ دوراتها، وبعنوان جذاب هو (اربيل حاضر وحضارة)، فالمدينة قطعت اشواطا طويلة من التقدم والعمران، حتى اصبحت من المدن ذات المزايا الفائقة في ذلك، وهذا ما يجمع عليه من زارها، ولا سيما من ابناء مدن العراق الاخرى!. فحاضر اربيل مفعم بالتطور والعزم للافضل والاجمل.. ازاء ماض طويل من مراحل التاريخ الذي يبدأ من ادوار سحيقة في القدم.

من يقرأ تاريخ هذه المدينة، سيجدها من المدن القليلة في العالم حافظت على تسميتها الاولى، على الرغم من ان ساكنيها يستخدمون اسما محليا شائعا هو (هولير)، غير ان اسمها التاريخي هو الشائع في الكتابات التاريخية والحضارية. ويذكر المؤرخون ان اسم اربيل كان سائدا بالكتابات السومرية باسم اربيليوم، وعندما انبثقت الحضارتان الاكدية والآشورية كان اسم اربيلا هو الذي ساد، ويعني الآلهة الاربعة، وقيل ان معبدا كان فوق التل الكبير الذي قامت عليه قلعة اربيل فيما بعد، وان هذا المعبد كان يضم اربعة من الآلهة التي عبدها الناس في تلك الحقب التاريخية القديمة. واستمر الاسم شائعا بين الناس حتى بعد الفتوحات الاسلامية، وكانت تسمى في الكتابات التاريخية الاسلامية باسم (إربل) حتى ان تاريخها الذي كتبه ابن المستوفي كان باسم (تاريخ إربل ). ولا ريب ان الفترة الذهبية في تاريخها العام هو يوم تولى امرها احد القادة الكبار وهو مظفر الدين كوكبروي في القرن السادس الهجري، وتنسب الى هذا الحاكم ابنية تاريخية مهمة مثل المنارة المظفرية التي بناها لجامع كبير في اربيل لم يبق منه الا نصف المنارة المذكورة اذ سقط نصفها الاعلى جراء هزة ارضية ضربت المنطقة قبل قرون، وقلعة اربيل الشهيرة اذ شيد سورها واسكن فيها سائر الناس، فوقفت صامدة امام الغزوات والاطماع.

وكثيرا ما اقف مواجها القلعة مذهولا امام هذا البناء الجسيم، الذي صمم اولا لأغراض عسكرية كما يبدو، فالذي يفكر بالصعود الى القلعة واحتلالها يواجه صعوبات ومخاطر كبيرة، فكان عليه ان يعبرالخندق العميق الذي كان محيطا بالتل الذي تقوم عليه القلعة، ثم يبدأ بالتسلق، ولا سبيل له غير هذا، فالممر الوحيد الى ينتهى الى بابها ضيق لا يستوعب الا رجلا واحدا، سيكون بمتناول المدافعين على الاسوار بلا شك. وهكذا صمدت هذه القلعة على مر التاريخ. ولم تزل باقية بسورها الكبير، وهي اكبر معلم تاريخي قديم كما لا يخفى.

ولنعد الى المنارة المظفرية، فكثيرا ما سمعت عن بنائها قصة جميلة، ولا اعرف حقيقة وقوعها، فيقال ان المعمار المنفذ للمنارة كان طالباً لدى معمار منارة داقوق، ولكن بسبب خلاف أثناء تنفيذ العمل في منارة داقوق، يترك الطالب أستاذه، فينفذ منارة المظفرية في أربيل التي سميت فيما بعد بمنارة (جولي) أي منارة البرية بسبب بعدها عن القلعة والأحياء المحيطة بها، ويدرك الطالب أن أستاذه سيزورهُ حتما بعد سماعهِ خبر بناء هذه المنارة، فيستعد لتلك الزيارة منذ البداية، ويتوقع من استاذه الحسد والضغينة إذا ما شاهد هذا البناء الشامخ الذي بني بأحسن من بناء أستاذه لمنارة داقوق، فيأتي الأستاذ لاحقاً لرؤية المنارة، فيفكر ببناء سلمين داخل أسطوانة المنارة دون التقاء بينهما للخلاص من أي شر قد يضمره أستاذه، وبالفعل، يطلب الأستاذ من طالبهِ أن يتسلقا المنارة معا، فيبدأ الاستاذ بالصعود من السلم الأول ولا يدرك أن هناك سلما ثانيا، ويصعد الطالب السلم الثاني، فيلتقيان في القمة، فيدرك الطالب أن أستاذه في حالة نفسية غير طبيعية، فيخاف الطالب ويستعجل بالنزول من السلم الأول، ويعتقد الأستاذ أن السلم الثاني يلتقي بالأول في الطريق النازل، فيختار الثاني، فيلتقيان ثانية على الأرض، وهناك أناس يتابعون الحدث، عندها يتخلى الأستاذ عن الانتقام من طالبه، ويقوم أمام الناس بتهنئة طالبه على هذا الإنجاز، فيسافر إلى مدينة الموصل ليبني منارة أفضل من طالبه، فيبني منارة، فتخرج بنتيجة أن منارته مائلة ويتوقع سقوطها في أية لحظة، ففشل في مسعاه، والآن تسمى تلك المنارة، بالحدباء في مدينة الموصل. وللحديث بقية.

أعلى