صناعة الكتابة في ظل التحول الرقمي

صناعة الكتابة في ظل التحول الرقمي

  • 175
  • 2023/03/09 11:15:39 م
  • 0

 متابعة / المدى

نشر المركز المصرى للفكر والدراسات الستراتيجية مقالا للكاتب مؤمن موسى تناول فيه الآثار السلبية والإيجابية للتحول الرقمي على صناعة النص والمحتوى، مشيرا إلى ما يشكله هذا التحول من تحديات لمجال الكتابة فى مصر... نعرض من المقال ما يلي:

على مر التاريخ، ارتبط تطور الإنسانية بتطور المهن. بعضها اندثر تماما وبعضها تغيرت ملامحه وأدواته لتواكب عصرها. وإذا كان تأريخ قصة حياة البشرية قد بدأ حين عرفت الكتابة، فإن مهنة الكاتب قد ظلت عبر آلاف السنين فى تطور مستمر من حيث الشكل والمضمون، دون الاستغناء عنها. أما عن الأدوات، فمن النقش على الحجر مرورا بالورق ثم الطباعة والآلات الكاتبة حتى جاء زمن الكتابة على أجهزة الحاسب الآلي والهواتف الذكية باختلافها، من خلال لوحة المفاتيح أو حتى الإملاء الصوتي الذي يتحول لكلمات مكتوبة، بالإضافة لأشكال مختلفة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تساعد الكاتب عبر توقع واقتراح كلمات له. في هذا السياق، كان للتكنولوجيا دور مهم في التأثير على طبيعة الكتابة، ليس فقط من حيث الأدوات ووسائل النشر والطباعة، بل أيضا من حيث الانتشار والوصول للمتلقين. ومن ثم، كان ذلك تغييرا مستمرا في طبيعة مهنة الكاتب عبر الزمن، بحيث أصبح لزاما عليه مجاراة التطور وخاصة في ظل الاتجاه حديثًا إلى التحول الرقمي.

عندما اتجه العالم مدفوعا بالتطور التكنولوجي، للتوسع في رقمنة عمليات الكتابة، كانت لذلك عدة آثار إيجابية وسلبية على تلك الصناعة. من أبرز الآثار الإيجابية، إتاحة الكتابات والمؤلفات إلكترونيا ونشرها على نطاق أوسع بكثير مما كان عليه الحال قبل ذلك. هذا التواجد الرقمي أدى لحفظ ما هو مكتوب بشكل يصعب تلفه أو فقده مع مرور السنين. النشر الإلكتروني ساهم في خفض تكاليف الطباعة بشكل ملحوظ ومؤثر، مع الأخذ في الاعتبار الأثر البيئي الإيجابي الذي ظهر عند تجنب استخدام الورق.

في المقابل، تمثّلت الآثار السلبية بتعرض الكثير من الكتاب والمؤلفين لأضرار جسيمة نتيجة تكرار اختراق حقوق الملكية الفكرية، إذ أتيحت مؤلفاتهم عبر شبكة الإنترنت دون اتفاق أو تنسيق يحفظ الحقوق. ولمواجهة ذلك، تقوم دور النشر الإلكترونية منذ فترة بحماية مطبوعاتها الرقمية، بصيغ عالية التشفير، وبعضها صمم تطبيقات خاصة به حسب أنواع الهواتف الذكية، تمكن مالكيها من الشراء مباشرة، إما نسخ ورقية وإما إلكترونية محمية.

بخلاف ذلك، وجدت الكثير من المنشورات الإلكترونية غير المدققة والتي تفتقر إلى المصادر الموثقة، وهو ما أثر سلبيا على ثقافة الجموع التي تجد سهولة في تلقي معلوماتها من الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي دون بحث عن الأصول ودون تحري الدقة.

أثر سلبي آخر هو خسارة وإفلاس العديد من دور النشر والطباعة حول العالم. في الولايات المتحدة الأمريكية ــ على سبيل المثال ــ اضطرت مجموعة كبيرة من الصحف ذائعة الصيت إلى تقليص أرقام توزيعها وإلغاء آلاف الوظائف وتسريح عدد كبير من العاملين فيها، من بينها صحف واسعة الانتشار مثل «شيـكاغـو تـربيـون»، «بـوسـطن غلوب» و«لوس أنجلوس تايمز» ثمة صحف أخرى، تحولت إلى صحف رقمية، مثل «كريستيان ساينس مونيتور» التي ألغت طبعتها الورقية منذ عام 2008 واكتفت بنسخة رقمية على موقعها على شبكة الإنترنت.

وتؤكد دراسة بحثية بعنوان «العوامل المؤثرة على مستقبل الصحافة الإلكترونية في مصر من عام ٢٠١٥ حتى عام ٢٠٣٠» للباحث «عبدالناصر منصور» أن انتشار الصحافة الإلكترونية فى السنوات الأخيرة، يرجع إلى ارتفاع معدلات استخدام الإنترنت فى مصر، بالإضافة إلى سرعتها في نقل الخبر. و«أنه في كل الأحوال لا بد من أن نضع في الجريدة أو المجلة المطبوعة ما يبرر وجودها، فإذا لم تطور الصحف المطبوعة من محتواها وتركز على المحتوى الحصري والتحليلات والقصص الإخبارية والبحث فيما وراء الأخبار فستختفي هذه الصحف»، وستفقد الصحف المطبوعة مبرر وجودها، فحتى كبار السن الذين يمثلون الجمهور الأكبر للصحف المطبوعة أصبح بعضهم يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة.

قبل نحو عقدين من الزمن، ظهر فى الساحة الأدبية إنتاج أدبي يُقرأ على شاشة الكمبيوتر، ومن أهم خصائصه القيام بدمج الوسائط الإلكترونية المتعددة نصية وصوتية وصورية وحركية في الكتابة على فضاء يسمح للقارئ بالتحكم فيه، وقد سمي بالأدب الإلكتروني، أو الأدب الرقمي.

يقول الشاعر والروائي المغربي حسن المددي: «إن ظهور الإنترنت ووسائل التواصل أحدث ثورة عارمة في مجال الكتابة، وأثار الخوف على صمود الكتاب الورقي، وأصبح المفكرون يدركون خطورة الموقف، الذي بات يمهد الطريق لتغيير جذري في مجال الإبداع الأدبي والفكري والفني».

لكن التهديد الحقيقي للكتابة ربما يتجاوز الأسلوب الأدبي إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث استطاعت محركات الذكاء الاصطناعي مؤخرا أن تحاكي كتابات أدبية وعلمية وأن تصنع محتوى خاصا بها يهدد الكثير من العاملين في مهنة الكتابة كالكتاب والصحفيين ومعدي التقارير الإخبارية ومؤلفي القصص.

منذ أيام قليلة، أصدرت شركة «Open AI” المملوكة لرجل الأعمال “إيلون ماسك” برنامج ChatGPT وهو محرك للدردشة الكتابية Chat Bot يعتمد على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي في محاكاة ردود الأفعال والإجابة على أسئلة المستخدم. يستطيع هذا البرنامج أن يؤلف روايات ويكتب أشعارا بل ويقص النكات أيضا. وبرغم أن هذا البرنامج ليس الأول من نوعه ولكنه يعد الأكثر تطورا حتى الآن ويظهر ذلك في مدى الاتقان الذي يغلب على مخرجاته من المحتوى الكتابي. وقد سبقت هذا البرنامج عدة تجارب لصناعة المحتوى من خلال الذكاء الاصطناعي، لعل أبرزها ما قدمه فريق علماء يابانيين فى جامعة FHU الذين شاركوا بـ11 رواية مكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مسابقة «نيكى شينيتشى هوشي» الأدبية التي أجازت في مرحلة التصفية الأولى 1450 رواية من بينها تلك المكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، دون معرفة مسبقة للمتقدمين.

وبالرغم من القدرات المتقدمة لمحركات الذكاء الاصطناعي إلا أنه يظل هناك بعض الجوانب التي يمكن للبشر أن يظلوا متفوقين فيها مثل القدرة على فهم وتفسير الأحداث السياسية فى سياق إنساني وعلاقتها بالعلاقات الدولية والآيديولوجيات السياسية والعوامل الثقافية.

كل تلك التطورات من حولنا يجب أن تدفعنا إلى العمل على مجاراة التكنولوجيا والسعى نحو التمكن من أدواتها حتى يظل الكاتب المصري رائدا في المستقبل الرقمي.

لكي تتحقق تلك الريادة، يجب الانتباه للتحديات التي تواجهنا وأبرزها جودة الإنترنت في مصر. إن العمل على تطوير سرعة واستقرار وكفاءة الإنترنت يعد دعما مباشرا لصناعة النشر الإلكتروني ويخلق مناخا إيجابيا لأطراف المعادلة من كتاب وقراء وناشرين. التحدي الآخر الذي لا يقل عنه في الأهمية هو المواجهة القانونية الحاسمة لكل عمليات القرصنة الإلكترونية بحيث يتم ضمان كافة الحقوق الأدبية والمادية للكتاب والناشرين.

أما الفرص التي يجب استغلالها فتتمثل في العدد الكبير من القراء الشباب المستمرين في البحث عن شغفهم من خلال قراءة أنواع مختلفة من الكتب المتوفرة بصيغ مطبوعة وإلكترونية. ولعل الإقبال الكبير من الفئات العمرية الصغيرة كان ملحوظًا ومبشرا في معرض الكتاب مؤخرا. تلك الفئات العمرية من الشباب المصري تمثل جيلا واعدا تربى على محتوى تعليمي مختلف عما حظيت به أجيال سبقته. لا بد من أن نرى فرصة كبيرة لدعم المحتوى للكتاب الرقمي لمن تم تقديم «التابلت» والكتب التفاعلية لهم في المراحل التعليمية المختلفة، وأصبحوا على استعداد لتلقي المزيد.

أعلى