أنا والكتاب

أنا والكتاب

  • 173
  • 2023/03/14 11:48:42 م
  • 0

 سلام حربه

انا ولدت في محافظة بابل، هذه المدينة كانت ذا طابعا سياسيا معروفا، فيها كبار السياسيين والادباء والفنانين.

كان أبي سياسيا رغم انه لم يتعلم في المدارس ولكنه تخرج من تكيات الملالي في التعلم البسيط للقراءة والكتابة، كنت صبيا وكانت لدينا علوة لبيع الحبوب في الصوب الصغير من مدينة الحلة. كانت المناشير السياسية تصل الى أبي باستمرار في ستينيات القرن الماضي، كنت انا من يقرأ له خفية هذه المناشير وسمعت لاول مرة بالبروليتاريا وحركات التحرر والمنظومة الاشتراكية والاستعمار الغربي، كنت احسد اخي الكبير لانه لا يمشي في الشارع دون ان يحمل كتابا، كنت اتصفح كتبه حين يضعها على المنضدة في بيتنا القديم في مدينة الحلة وفي محلة الوردية التي ولدت فيها، معظمها كتب فلسفية وقد تخصص في النهاية في مجال الفلسفة التي درسها في الاتحاد السوفياتي وفي المانيا. في السادس الاعدادي انتميت الى اتحاد الطلبة العام عام 1972 وكانت رغبتي لقراءة الكتب لا استطيع لها ضبطا، قرأت وانا في الاعدادية روايات وقصصا كثيرة وقد وجدت عالمي فيها وميلا شديدا لكتابة القصة القصيرة، قبلت في الكلية عام 1973 وفي ظل الجبهة الوطنية خُففتْ الرقابة على الكتب وعلى حملة الكتب فانغمست في بحر الرواية حتى كدت اغرق فيه، حتى ان الكثير من اصدقائي قالوا لي لماذا لم تكمل دراستك في كلية الاداب..؟ كانت رغبتي ان احصل على شهادة علمية وانا من المتفوقين تساعدني في التفرغ الى الادب. أول صدمة حصلت لي مع كتاب، كنت مع صديق نجلس في مقهى عصر كل يوم وكان يرتاد المقهى عامل يساري شاعر مشهور بحفظه ما تحتويه الكتب من معلومات سياسية واحداث وأشعار وشخوص ومواضيع دينية صادمة، أشار في احدى جلساته الى معلومة دينية خطيرة في ذلك الوقت موجودة في كتاب (تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام للكاتب بندلي جوزي) حقيقة لم اتفق معه في البداية لكني وجدت المعلومة محفزة لي دفعتني للتحقق منها، وجدت هذا الكتاب عن طريق الصدفة في شارع المكتبات في مدينة الحلة واشتريته وذهبت للتحقق من هذه المعلومة بعد ان قرأت الكتاب بدقة فكان كلام هذا العامل صحيحا مئة بالمئة وهذا ما اسقط اليقين والهدوء في داخلي وبدأت الشك في كل يقينيات الحياة التي فطرنا عليها، من ذلك اليوم وحتى هذا اليوم فأني اتعامل مع أي كتاب بقدسية واقرأه بتمعن لأن الحقيقة تجدها مبثوثة احيانا بين سطور الكلمات او مخفية ضامرة تحتاج الى التأمل كي تصل اليها. الكتاب عندي ليس خير جليس فقط بل مشاكس على الدوام وند لي يجب ان اكون مستعدا نفسيا ومعرفيا لمنازلته، كل كتب العالم الحقيقية اصدقاء حميمين لي واحيانا انظر اليهم بعين الغيرة والحسد، يأخذونني في كل الاتجاهات ولكني ابقى متيقظا لهم وخطوتي وايقاعها اتمنى ان تكونا رصينتين يحدهما الابداع. الكتاب روح المدنية والمعرفة والحضارة.

أعلى