أنا والكتاب

أنا والكتاب

  • 164
  • 2023/03/17 11:42:58 م
  • 0

 د. عمار الياسري

الحديث عن الكتاب، حديث عن غبش المعرفة الأولى حيث ذلك المكان الغرائبي القابع في ركن قصي من مدرستنا الغابرة، وما أن فككت قيود يدي حتى شممت رائحة الكتب العتيقة فيها، رائحة لا تشبه رائحة الأراضي الرخوة الرطبة التي ساورت مجساتي،

بل مثلت الأمكنة المألوفة، وها أنذا أقف قبالة هذا العالم الغريب بيدين لا تعرفان مسك الكتب وتقليب أوراقها، يدان مرتعشتان وعينان تائهتان، كانتا السبب في الفشل الأول لتجسير العلاقة بيني وبين المكتبة المدرسية، فمن أين لفتى يخاف ظله ولا يمتلك حضور أبناء العوائل الميسورة القدرة في معاودة المكتبة والحديث مع سادنها مدرس اللغة العربية حتى استعير ما أريده؟، بل معرفة ما استعيره على وفق توجهاتي؟، هكذا مرقت أيام الصبا، وفي يوم من أيام أفولها سألني أحد أصدقائي المهمشين بسبب عوقه عن رأي لي في روايات ستاندال واجاثا كريستي وفلوبير، يا رباه الفتى الذي عاثت بذاكرته المنخوبة حكايات الجن والسعالي وزوجات المشايخ ماذا سيقول؟، لكن وليد المهمش ركن في حقيبتي مجموعة من الروايات، فكان هو ملهمي الأول في دراستي الإعدادية، ومع تقادم الأيام تعرفت على عوالم الكتب بعد قبول أحد اخوتي في قسم اللغة العربية، ولكن التحول الأكبر كان مع بداية دخولي للجامعة وأية جامعة، جامعة بغداد أكاديمية الفنون الجميلة، كانت ذلك في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، فوجدت نفسي في مرجل يمور بالقراءات الفلسفية والمتبنيات الفكرية، عوالم بدت أكثر غرابة من مكتبة المدرسة المهملة لكنها جرفتني في بحرها الهائج، وسط ركام الكتب ودهاليز الفلسفة، مسك بيدي معلمي الفيلسوف الدكتور ثامر مهدي ناصحا وموجها؛ يا صغيري الفلسفة قليلها يؤدي إلى الإلحاد وكثيرها يؤدي إلى الجنون وهنا بدأت مرحلة التنظيم العلمية، ففي دروس علم النفس الفني انغمرت في كتب علم النفس وفي دروس نظرية الدراما انغمرت في المسرح العالمي وتنظيراته وفي دروس السيناريو انغمرت في الرواية والقصة والحال ذاته في دروس النقد وعلم الجمال والفلسفة وغيرها.

أن يكون لك معلم ملهم هذا يعني صيرورة الوعي المعرفي عموما والنقدي خصوصا فمع طروحات ثامر مهدي وجعفر علي وابو طالب محمد سعيد وأسماء أخرى ومع الحياة الأدبية والفنية في الاتحادات والنقابات الثقافية أضحى الكتاب لازمة الحياة التي عشتها، ليس هذا فحسب بل تحرر الفتى بعد بلوغه سن الأربعين وبدأ ينمو ويزهر حتى بان أسمه المرتجف على أغلفة الكتب وما زالت صورة يديّ المكلبتين في صبوتي ترافقني دوما.

أعلى